هل لديك سؤال؟
تم إرسال الرسالة إغلاق
لماذا لم يُهلك الله فرعون في قصره؟ الحقيقة قد تسُرّك!
———————————
هل خطر في بالك يومًا هذا السؤال؟
     فرعون… الطاغية الذي قال لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ ، لماذا لم يُرسل عليه صاعقة أو زلزلة أو صيحة كما فعل بقوم عاد وثمود ولوط؟
لماذا خرج الطاغية مع جنوده ليهلك في أرض بعيدة؟
    الجواب ليس بسيطًا… لكنه مليء بالحكمة الإلهية، والرحمة الخفية التي تغيب عن كثير من الناس ، الجواب يظهر لك حب المصرين القدماء للحق ومعرفته والسير به .
    في تلك الحقبة ، كان فرعون يحكم مصر بقبضة من نار . ظلم، طغيان، عبودية، وسجن لكل من يخالف أمره ، لكن رغم هذا الظلم ، وعندما جاء موسى عليه السلام بالرسالة ، استجاب عدد من الناس ، وربما كانت الاستجابة من داخل القصر ، وكان هناك من يؤمن بالله سرًّا وعلنًا.
ففي بيت فرعون، كانت امرأته تقول من قلب الإيمان : ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: 11] ، كما كانت هناك ماشطة ابنته تؤمن برب موسى وتدعو إليه.
   بل كان في الدائرة الضيقة حوله رجل مؤمن من آل فرعون، قال الله عنه: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: 28]
تخيّل! الإيمان يعيش داخل جدران القصر، لكن الخوف يمنع ظهوره. أما عامة الناس فكانوا بين مستضعَف يخاف على نفسه، ومستكبرٍ اتّبع فرعون خوفًا أو طمعًا، كما قال الله : ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾ [القصص: 4]
   لذلك، لو أن الله أهلك فرعون في قصره ، لأُصيبَ المؤمنون بين قومه، ولاختلط العذاب بالرحمة ، فجاءت حكمة الله أن يُخرج فرعون بنفسه من داره، ليُهلكه أمام الناس جميعًا، فيكون عبرةً وعظةً لمن بعده.
    حين أوحى الله إلى موسى عليه السلام : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: 52] ، خرج موسى ومن آمن معه ليلًا .
فاستيقظ فرعون غاضبًا، وأمر جنده أن يتبعوه. انطلق من عاصمته القديمة في قنتير (قرب فاقوس بالشرقية اليوم)، وسار نحو الشرق، يقطع أكثر من 120 كيلومترًا حتى وصل إلى البحيرات المُرّة (منطقة فايد حاليا بالإسماعيلية).
    تأمل هذا الطريق الطويل … كل خطوة يخطوها فرعون نحو مصيره،
     كانت تنفيذًا دقيقًا لقدَرٍ كتبه الله عز وجل أن يخرج بنفسه إلى موضع هلاكه، بعيدًا عن المؤمنين ، قال تعالى : ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ [يونس: 90]
     وهناك، عند البحر ، فُتحت له الطريق كما فُتحت لبني إسرائيل ، لكنها لم تكن طريق نجاة له، بل كانت آخر اختبار . وحين دخل البحر متكبرًا، انطبق عليه الماء… وغرق الطغيان كلّه في لحظة واحدة ، قال تعالى : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: 92]
****
    ويأتي سؤال أخر يطرح نفسه علينا ، هل كان كل من بقي في مصر بعد فرعون مؤمنًا ؟
     القرآن يخبرنا بالعكس . فقد بقي قارون ، الذي كان من بني إسرائيل ، وكان مقصودا في الدعوة ولكنه لم يستجب : قال تعالى : ” وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23) إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ” [غافر: 23–24] ، وقد هلك لاحقًا في قصره بعد أن طغى بماله . ، فقال تعالى : ” فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ” [ القصص : 81 ] ، كما أن الترتيب التاريخي والاثري وضح لنا هذا التتابع جليا ، وعلى نمط قارون فقد بقي أخرون ممن خالفوا الحق .
     فالعقاب الإلهي كان دقيقًا ، هلك فرعون ومن تبعه في البحر ، وبقي من لم يشارك في الطغيان ليُختبر ويُمهلويعود ويتوب ، ولكي يرى الاخرون آية الله في الطاغية الذي ظن أنه لا يُغلب .
     
      وبعد أن غرق فرعون، تغيّر وجه المجتمع المصري . رغم أن موسى عليه السلام أنطلق مع قومه في اتجاه فلسطين ، إلا أنه في مصر انطلقت الدعوة من جديد .
     وظهر العلماء والدعاة الذين “أوتوا العلم” يذكّرون الناس بالله ، وقالوا لقارون حين اغترّ بماله : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا…﴾ [القصص: 77]
     وساد التناصح بينهم في الله ، فحين رأى الناس ثروة قارون قال بعضهم :
﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾
فردّ الذين أوتوا العلم:
﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: 79–80]
       لقد كانت مرحلة جديدة بعد الطغيان ، مرحلة استيقاظ للإيمان، وتذكرة بسنّة الله في الظالمين .
     إنها قصة تُخبرنا أن الله لا يُهلك الطغاة عبثا ، ولا يُعذّب قوما إلا بعد أن يُميّز الصادق من الكاذب . فلو هلك فرعون في قصره، لضاعت العبرة بين جدران القصور، لكن حين غرق أمام الجميع، أصبحت قصته آية خالدة تُتلى إلى اليوم.
والان فكر لحظة…
       كم من “فرعون” نراه اليوم يسير بخطى واثقة نحو مصيره، ولا يدري أنه يسير إلى البحر الذي ينتظره منذ زمن؟
وكم من مؤمنٍ مستضعف يوشك أن يرى البحر ينشق له ليمضي إلى نجاته؟
فاصبر، فالله لا يُخلف وعده، وما من بحرٍ إلا وله ساعة ، ينتظر فيها فرعونه…

اترك تعليقاً

Layer 1